السيد محمد باقر الصدر
242
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
جعلت الحصول على أكبر ربح مادّي ممكن ، هو الهدف الأعلى بقطع النظر عن نوعيّة الوسائل ، وطابعها الخُلُقي ، ونتائجها في المدى البعيد . والدليل على هذا من الواقع : أنّ الاستعمار بدأ منذ بدأت الرأسماليّة وجودها التاريخي في المجتمعات الاوروبيّة بعقليّتها ومقاييسها ، ولم ينتظر حتّى تصل الرأسماليّة إلى مرحلتها العليا ليكون تعبيراً عن ضرورة اقتصاديّة خالصة . فقد اقتسمت الدول الاوروبيّة البلاد الضعيفة في مطلع الرأسماليّة بكلّ وقاحة واستهتار . فكان لبريطانيا الهند وبورما وجنوب أفريقيا ومصر والسودان وغيرها ، ولفرنسا الهند الصينيّة والجزائر ومراكش وتونس ومدغشقر وغيرها من المستعمرات ، وكان لألمانيا قطّاعات في غربي أفريقيا وجزر الباسفيك ، ولإيطاليا طرابلس الغرب والصومال ، ولبلجيكا بلاد الكونغو ، ولروسيا قطّاعات في آسيا ، ولهولندا جزائر الهند . فالسبب الأصيل والأسبق للاستعمار يكمن في الواقع الروحي والمزاج الخُلُقي للمجتمع ، لا في مجرّد السماح بالملكيّة الخاصّة لوسيلة الإنتاج . فإذا سمح بهذه الملكيّة في مجتمع يتمتّع بواقع روحي وخلقي وسياسي يختلف عن الواقع الرأسمالي فليس الاستعمار بمفهومه الرأسمالي قانوناً حتميّاً له . وأمّا الاحتكار فهو الآخر ليس - أيضاً - نتيجة حتميّة للسماح بالملكيّة الخاصّة لأداة الإنتاج ، وإنّما هو نتيجة للحريّات الرأسماليّة بشكلها المطلق ، وللمبدأ القائل بعدم جواز التدخّل في مجرى الحياة الاقتصاديّة للناس . أمّا حين توضع للملكيّة الخاصّة قيودها وحدودها ، ويجعل النشاط الاقتصادي تحت مراقبة دقيقة تستهدف الحيلولة دون الاحتكار وتحكّم فئة قليلة في الأسواق التجاريّة فسوف لا يجد الاحتكار طريقه الرأسمالي المعبّد إلى التحطيم والتدمير .